
بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، يتقدم مرصد حقوق المهاجرين (MRM) بتحية تقدير واحترام لنضال النساء في كل أنحاء العالم، ولا سيما النساء المهاجرات اللواتي يخضن واحدة من أقسى التجارب الإنسانية في البحث عن حياة أكثر أمانًا وكرامة. إن المرأة المهاجرة ليست مجرد رقم في إحصاءات الهجرة، بل هي قصة شجاعة وإرادة، وقصة كفاح طويل من أجل تغيير واقعها ومستقبل أسرتها. فخلف كل رحلة هجرة هناك امرأة تحمل حلمًا بالنجاة من الفقر أو العنف أو الحروب، وتسعى إلى الوصول إلى مكان تستطيع فيه أن تعيش بكرامة وأمان.
ويرى مرصد حقوق المهاجرين أن آلاف النساء القادمات من إثيوبيا والصومال ودول القرن الأفريقي يخضن رحلة هجرة قاسية تمر عبر اليمن، الذي أصبح محطة رئيسية في طريق الهجرة نحو دول الخليج. غير أن هذا الطريق ليس مجرد رحلة جغرافية؛ بل هو مسار محفوف بالمخاطر يمتد آلاف الكيلومترات عبر البر والبحر، ويضع النساء في مواجهة مباشرة مع العنف والاستغلال.
تبدأ هذه الرحلة غالبًا بعبور البحر الأحمر أو خليج عدن في قوارب متهالكة يقودها مهربون لا يكترثون بحياة من على متنها. وكثيرًا ما تنتهي هذه الرحلات المميتة بغرق القوارب، حيث فقدت نساء كثيرات حياتهن في البحر قبل أن تطأ أقدامهن اليابسة. وقد رصد مرصد حقوق المهاجرين حالات عديدة لنساء لقين حتفهن أثناء عبور البحر نتيجة الاكتظاظ في القوارب أو سوء الأحوال الجوية أو التخلي عن الركاب في عرض البحر.
وحتى من ينجون من الغرق لا يجدن الأمان عند وصولهن إلى اليمن. فطريق الهجرة داخل البلاد يمر عبر مناطق صحراوية وجبلية قاسية، دون توفر احتياجات أساسية أو خدمات إنسانية كافية. وغالبًا ما تسير النساء لساعات طويلة تحت حرارة الشمس أو في ظروف مناخية قاسية، مع نقص حاد في الماء والغذاء والرعاية الصحية. وقد رصدت منظمات حقوقية حالات عديدة لنساء توفين على الطريق نتيجة الإعياء الشديد أو العطش أو الجوع أثناء محاولتهن مواصلة الرحلة.
إن هشاشة وضع المرأة المهاجرة تجعلها الحلقة الأضعف على طريق الهجرة. فجسدها المنهك من السفر الطويل يجعل معاناتها مضاعفة مقارنة بالرجال، خصوصًا في ظل غياب الحماية وانعدام شبكات الدعم. وتتعرض النساء المهاجرات إلى أشكال متعددة من الانتهاكات والعنف من جهات مختلفة، بدءًا من بعض المهاجرين أنفسهم، مرورًا بالمجتمعات المحلية المضيفة، وصولًا إلى عصابات التهريب والاتجار بالبشر، وأطراف النزاع المسلح.
وتُعدّ عصابات التهريب واحدة من أخطر الجهات التي تستغل النساء المهاجرات. فكثيرًا ما يتم احتجاز النساء في أماكن سرية أو نقلُهن عبر طرق خطرة مقابل مبالغ مالية كبيرة. وفي حالات كثيرة، تتحول هذه الرحلة إلى شكل من أشكال الاتجار بالبشر، حيث تتعرض النساء للابتزاز أو العمل القسري أو الاستغلال الجنسي. وقد وثقت شهادات عديدة تعرض نساء للضرب والتجويع والتهديد بالقتل لإجبار أسرهن على دفع فدية مالية.
ويؤكد مرصد حقوق المهاجرين أن العنف الجنسي يمثل أحد أكثر الانتهاكات قسوة التي تواجهها النساء المهاجرات على طريق الهجرة. فكثيرات يتعرضن للتحرش أو الاغتصاب أثناء الرحلة أو داخل أماكن الاحتجاز أو في مواقع سيطرة المهربين. وبعض النساء يصلن إلى اليمن وهن حوامل نتيجة الاعتداءات الجنسية التي تعرضن لها في الطريق، ما يضيف معاناة جسدية ونفسية هائلة إلى رحلة قاسية أصلًا.
وتروي إحدى المهاجرات، التي سنسميها هنا هايلة حفاظًا على سلامتها، جزءًا من هذه المأساة. فقد تعرضت للاحتجاز على يد مهربين في أحد مراكز الاحتجاز غير الرسمية، حيث أُجبرت على العمل القسري وتعرضت للاستغلال الجنسي لفترة طويلة قبل أن تتمكن من الهرب. تقول هايلة:
“لم أكن أتخيل أن الطريق إلى حياة أفضل يمكن أن يكون مليئًا بهذا القدر من الألم. كنت أعتقد أنني سأصل إلى مكان آمن، لكنني وجدت نفسي سجينة في مكان لا يعرف الرحمة.”
وتتفاقم معاناة النساء المهاجرات في ظل النزاع المسلح في اليمن. ففي المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) المدعومة من إيران، وثقت تقارير حقوقية حالات احتجاز وتعذيب وابتزاز بحق المهاجرين، بمن فيهم النساء.
كما تواجه النساء المهاجرات مخاطر جسيمة على الحدود الشمالية لليمن، حيث وثقت تقارير حقوقية استخدام حرس الحدود السعودي للأسلحة المميتة ضد المهاجرين الذين يحاولون عبور الحدود.
أما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، فيشير مرصد حقوق المهاجرين إلى استمرار ممارسات مقلقة بحق المهاجرين، خصوصًا الاحتجاز التعسفي للمهاجرين الواصلين إلى المدن الساحلية، حيث يتم احتجاز المئات منهم دون إجراءات قانونية واضحة، إضافة إلى الترحيل القسري وإخراج المهاجرين من مساكنهم وتشريدهم دون توفير بدائل إنسانية.
يقول علي مياس، مؤسس مرصد حقوق المهاجرين:
“المهاجرون الأفارقة في اليمن، وخاصة النساء، يواجهون انتهاكات جسيمة من أطراف النزاع المختلفة في ظل غياب شبه كامل للحماية القانونية. إن استمرار الإفلات من العقاب يشجع على مزيد من الانتهاكات ويجعل طريق الهجرة مساحة مفتوحة للعنف والاستغلال.”
إن قصص النساء المهاجرات على طريق الهجرة إلى اليمن هي قصص شجاعة وصمود، لكنها أيضًا قصص ألم ومعاناة لا ينبغي للعالم أن يتجاهلها. ويؤكد مرصد حقوق المهاجرين (MRM) أن النساء المهاجرات يحتجن إلى حماية خاصة نظرًا للهشاشة المضاعفة التي يواجهنها في سياق الهجرة والنزاع المسلح.
وفي هذا اليوم العالمي للمرأة، لا يكفي أن نحتفي بإنجازات النساء، بل يجب أن نرفع صوتنا تضامنًا مع النساء الأكثر هشاشة، وعلى رأسهن النساء المهاجرات اللواتي يخاطرن بحياتهن من أجل مستقبل أفضل.







اترك تعليقاً