AR | EN
أبلغ عن انتهاك

اليمن كـ”منطقة احتجاز مفتوحة”: تصاعد معاناة المهاجرين الأفارقة بين الترحيل القسري والانتهاكات المستمرة


يشهد مسار الهجرة من القرن الأفريقي إلى اليمن تصاعدًا مقلقًا في حجم المعاناة التي يتعرض لها المهاجرون الأفارقة، في ظل تزايد الضغوط الأمنية والإنسانية على طول الطريق، لا سيما مع استمرار عمليات الترحيل القسري من قبل حرس الحدود السعودي، والتي تدفع بآلاف المهاجرين إلى العودة القسرية نحو اليمن، ليجدوا أنفسهم عالقين في بيئة غير آمنة تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية القانونية والخدمات الإنسانية.

ويكشف التقرير السنوي لمسار الهجرة الشرقي لعام 2025، الصادر عن المنظمة الدولية للهجرة، عن واقع معقد للهجرة في المنطقة، حيث يستمر تدفق مئات الآلاف من المهاجرين عبر هذا المسار الذي يُعد من أخطر طرق الهجرة في العالم. وتشير البيانات إلى أن أكثر من 506 آلاف مهاجر غادروا بلدانهم في عام 2025، بزيادة ملحوظة مقارنة بالعام السابق، في ظل استمرار العوامل الدافعة للهجرة، مثل الفقر والنزاعات وانعدام فرص العمل.

غير أن الوجه الآخر لهذه الحركة يتمثل في تزايد أعداد المهاجرين العالقين، حيث يُقدَّر عددهم داخل اليمن بأكثر من 132 ألف مهاجر، يعيشون في ظروف بالغة القسوة، دون القدرة على مواصلة الرحلة أو العودة إلى بلدانهم. ويعكس هذا الواقع تحول اليمن إلى بيئة طاردة، لكنها في الوقت ذاته تُجبر المهاجرين على البقاء داخلها نتيجة غياب البدائل.

ويؤكد مرصد حقوق المهاجرين أن هذا الرقم يعكس تحول اليمن إلى ما يشبه “منطقة احتجاز مفتوحة”، حيث يجد آلاف المهاجرين أنفسهم غير قادرين على مواصلة الرحلة أو العودة، في ظل غياب الحماية القانونية وتدهور الأوضاع الإنسانية، ما يجعلهم عرضة لمختلف أشكال الانتهاك والاستغلال.

ويشير التقرير إلى أن المهاجرين على طول هذا المسار يواجهون طيفًا واسعًا من المخاطر، تشمل العنف المسلح، والاعتقال، وسوء المعاملة، والترحيل، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالنقل غير الآمن عبر البحر والبر. كما تم تسجيل ارتفاع مقلق في أعداد الوفيات وحالات الاختفاء، حيث بلغ عدد الضحايا 922 حالة خلال عام 2025، وهو أعلى رقم يتم تسجيله منذ بدء توثيق هذه البيانات.

وتؤكد المعلومات الميدانية أن المهاجرين داخل اليمن يتعرضون لانتهاكات متعددة من قبل أطراف مختلفة. ففي مناطق سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) المدعومة من إيران، تم توثيق حالات احتجاز تعسفي، وسوء معاملة، وابتزاز مالي بحق المهاجرين، بما في ذلك النساء، إضافة إلى إخضاع بعضهم لأعمال قسرية في ظروف غير إنسانية. وفي المقابل، تشهد المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا ممارسات تتعلق بالاحتجاز التعسفي للمهاجرين الواصلين، إلى جانب حالات ترحيل قسري وإخلاء من أماكن سكنهم، ما يؤدي إلى تشريدهم وتركهم دون مأوى أو دعم إنساني كافٍ.

وعلى الحدود الشمالية لليمن، يواجه المهاجرون مخاطر جسيمة أثناء محاولتهم العبور إلى المملكة العربية السعودية، حيث تم توثيق استخدام القوة المميتة من قبل حرس الحدود السعودي، بما في ذلك إطلاق النار والقصف، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المهاجرين، بينهم نساء وأطفال، وإجبار الناجين على العودة القسرية إلى داخل الأراضي اليمنية.

وتُظهر المعطيات أن النساء والأطفال هم الأكثر هشاشة في هذا السياق، حيث تتعرض النساء المهاجرات لأشكال متعددة من العنف، بما في ذلك العنف الجنسي والاستغلال من قبل شبكات التهريب أو أثناء الاحتجاز. كما تضطر بعض النساء إلى مواصلة الرحلة وهن حوامل أو برفقة أطفال صغار، في ظل غياب الرعاية الصحية والخدمات الأساسية، ما يضاعف من معاناتهن الجسدية والنفسية.

أما الأطفال، خصوصًا غير المصحوبين، فيواجهون مخاطر جسيمة خلال رحلة الهجرة، إذ يصبحون عرضة للاستغلال والعمل القسري والاتجار بالبشر، في ظل غياب الحماية القانونية وندرة الخدمات الإنسانية. وتشير البيانات إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال الذين تم رصدهم على هذا المسار يسافرون دون مرافقة ذويهم، ما يزيد من مستوى تعرضهم لمخاطر متعددة.

كما يعكس ارتفاع أعداد العائدين قسرًا من السعودية إلى إثيوبيا، والتي تجاوزت 95 ألف حالة خلال عام 2025، حجم الضغوط التي يتعرض لها المهاجرون، ويؤكد أن مسار الهجرة لم يعد مجرد رحلة نحو فرص أفضل، بل تحول في كثير من الأحيان إلى دائرة مغلقة من التنقل القسري والمعاناة المستمرة.

إن هذه المعطيات تؤكد أن أزمة الهجرة في اليمن لم تعد مجرد قضية تنقل بشري، بل أزمة إنسانية مركبة تتداخل فيها عوامل النزاع المسلح، وضعف مؤسسات الدولة، وغياب الحماية القانونية، وانتشار شبكات التهريب والاتجار بالبشر.

ويشدد مرصد حقوق المهاجرين على ضرورة تعزيز الحماية الإنسانية للمهاجرين، وضمان احترام حقوقهم الأساسية، وتكثيف الجهود الدولية لمواجهة الانتهاكات التي يتعرضون لها، مع إيلاء اهتمام خاص للفئات الأكثر ضعفًا، وعلى رأسها النساء والأطفال.

المصدر:
تقرير مسار الهجرة الشرقي لعام 2025 الصادر عن المنظمة الدولية للهجرة.

الصورة الرمزية لـ MRM

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *