
قال مرصد حقوق المهاجرين أنه وثق واقعة غرق مأساوية حدثت مساء الأربعاء 11 مارس 2026 قبالة سواحل محافظة شبوة جنوب اليمن، في حادث جديد يعكس المخاطر المتزايدة التي يواجهها المهاجرون الأفارقة أثناء محاولتهم عبور البحر نحو اليمن.
وبحسب المعلومات التي جمعها المرصد استنادًا إلى شهادات شهود عيان من الميدان، فقد انقلب قارب لتهريب المهاجرين في حوالي الساعة التاسعة مساءً قرب منطقة القمري في مديرية رضوم بمحافظة شبوة، وكان على متنه ما يقارب 270 مهاجرًا ومهاجرة، بينهم أطفال.
ووفق الشهادات، فإن القارب كان قادمًا من ميناء بوصاصو في الصومال ويقوده مهربون من الجنسية الصومالية واليمنية. وقد تعرض القارب للانقلاب نتيجة الرياح الشديدة وارتفاع الأمواج أثناء محاولة الوصول إلى الساحل اليمني خلال ساعات الليل.
وأسفر الحادث عن غرق عشرة مهاجرين، بينهم ثلاثة رجال وسبع نساء، من بينهن طفلة تبلغ من العمر ست سنوات. كما شارك عدد من سكان المنطقة إلى جانب أفراد من عصابات التهريب في إنقاذ بعض المهاجرين وانتشال الضحايا من البحر.
غير أن شهود العيان أفادوا بأن عصابات التهريب قامت بالتحفظ على جثث الضحايا بعد انتشالها، الأمر الذي يثير مخاوف جدية من احتمال إخفاء الجثث أو دفنها بعيدًا عن أعين السلطات والمنظمات الإنسانية، وهي ممارسات سبق توثيقها في حوادث مشابهة بهدف إخفاء حجم الكارثة والإفلات من المساءلة.
كما أشار الشهود إلى أن المهربين اختاروا توقيت الإبحار في ساعات الليل رغم سوء الأحوال الجوية وارتفاع الأمواج، مؤكدين أن المهربين كانوا على علم بالمخاطر المرتبطة بالإبحار في مثل هذه الظروف، ما يجعلهم يتحملون مسؤولية مباشرة عن وقوع الحادث.
تصاعد حوادث الغرق على طول الساحل الجنوبي لليمن
تأتي هذه الحادثة ضمن سلسلة متزايدة من حوادث غرق المهاجرين الأفارقة قبالة السواحل اليمنية، والتي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر طرق الهجرة البحرية خطورة في المنطقة.
وخلال العقد الماضي، وفي ظل استمرار النزاع المسلح وتدهور مؤسسات الدولة في اليمن، تحولت السواحل الممتدة من محافظة أبين إلى محافظة شبوة إلى نقاط وصول رئيسية لقوارب تهريب المهاجرين القادمة من القرن الأفريقي. ومع توسع هذا النشاط، ازدادت كذلك حوادث الغرق الجماعي الناتجة عن الاكتظاظ الشديد في القوارب وسوء الأحوال الجوية.
ففي يونيو 2024، انقلب قارب يحمل نحو 260 مهاجرًا صوماليًا وإثيوبيًا قبالة سواحل شبوة، ما أدى إلى مقتل أكثر من 49 مهاجرًا وفقدان العشرات. وفي يوليو من العام نفسه، لقي معظم ركاب قارب آخر حتفهم قبالة سواحل تعز بعد انقلاب القارب بسبب الحمولة الزائدة والرياح القوية.
كما شهد أغسطس 2025 حادثة غرق مميتة أخرى قبالة سواحل مديرية أحور في محافظة أبين، حيث توفي أكثر من 50 مهاجرًا أفريقيًا بعد انقلاب قارب كان يحمل نحو 150 شخصًا في بحر العرب.
وتكشف هذه الحوادث المتكررة عن نمط خطير ومستمر من المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون أثناء عبور البحر، في ظل غياب آليات فعالة للإنقاذ والاستجابة الطارئة على طول الساحل اليمني.
إفلات شبه تام لعصابات التهريب
يؤكد مرصد حقوق المهاجرين أن عصابات تهريب البشر تتحمل المسؤولية الأساسية عن هذه المآسي، إذ تقوم بنقل المهاجرين في قوارب صيد متهالكة وغير صالحة للإبحار وغالبًا ما تكون محملة بأعداد تتجاوز قدرتها الاستيعابية بكثير.
وتعمل هذه الشبكات في كثير من الأحيان في ظل إفلات شبه كامل من العقاب، ما يسمح لها بمواصلة أنشطتها الخطرة التي تعرض حياة آلاف المهاجرين للخطر.
كما تشير شهادات ميدانية إلى أن بعض هذه العصابات تسعى إلى إخفاء الأدلة بعد وقوع الحوادث، بما في ذلك دفن الضحايا أو إخفاء جثثهم لتجنب المساءلة أو التقليل من حجم الكارثة.
دعوة عاجلة لتعزيز قدرات الإنقاذ والاستجابة الطبية
في ضوء هذه التطورات، يدعو مرصد حقوق المهاجرين إلى إنشاء فرق إنقاذ بحرية متخصصة على طول السواحل اليمنية، تقودها منظمات دولية بالتنسيق مع السلطات المحلية، بحيث تكون مجهزة بقوارب إنقاذ ومعدات إسعاف أولي ووسائل اتصال تمكنها من التدخل السريع عند وقوع الحوادث.
كما يؤكد المرصد على ضرورة إنشاء مراكز صحية ومرافق إسعاف أولي في المناطق الساحلية عالية الخطورة لتقديم الرعاية الطبية العاجلة للناجين من الحوادث البحرية.
قال علي مياس ، مؤسس مرصد حقوق المهاجرين:
“إن تكرار حوادث غرق المهاجرين قبالة السواحل اليمنية يفرض ضرورة عاجلة لإنشاء مراكز صحية ومرافق إسعاف أولي في المناطق الساحلية عالية الخطورة، خصوصًا في مديريات رضوم في شبوة، وأحور في أبين، والمخا في تعز، والمضاربة ورأس العارة في لحج. فوجود نقاط استجابة طبية وإنقاذية في هذه المناطق قد يكون الفارق بين الحياة والموت للناجين من الكوارث البحرية.”
ويشدد المرصد على أن استمرار هذه الحوادث المأساوية يعكس فجوة خطيرة في منظومات الحماية والاستجابة الإنسانية، ويؤكد الحاجة إلى تحرك عاجل من قبل المنظمات الدولية والدول المانحة لتعزيز الجاهزية والقدرة على إنقاذ الأرواح.
إن تكرار كوارث الغرق قبالة السواحل اليمنية يبرز الحاجة الملحة إلى تحرك دولي عاجل لمكافحة شبكات تهريب البشر، وتعزيز آليات الإنقاذ والاستجابة الطارئة، وضمان حماية المهاجرين الذين يخاطرون بحياتهم على واحد من أخطر طرق الهجرة في العالم.






اترك تعليقاً