
بينما يركّز العالم غالبًا على الهجرة من الجنوب إلى أوروبا، تظل إحدى أكبر وأخطر طرق الهجرة غير مرئية إلى حد كبير: رحلة المهاجرين الأفارقة إلى اليمن. وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة وصل حوالي 116,996 مهاجرًا أفريقيًا إلى اليمن في عام 2025 — 95,000 بين يناير ونوفمبر، بالإضافة إلى حوالي 21,996 في ديسمبر. بالمقارنة، سجّلت وكالة فرونتكس الأوروبية حوالي 178,000 عبور غير نظامي للحدود إلى الاتحاد الأوروبي في نفس العام. تكشف هذه الأرقام عن حقيقة مذهلة: اليمن، رغم كونه يمر بـواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، يعمل كنقطة عبور رئيسية للهجرة الإقليمية، لكنها تحظى باهتمام دولي محدود.
منذ اندلاع النزاع في اليمن عام 2014، تعيش البلاد تحت سيطرة متعددة الأطراف المسلحة، بما في ذلك الحكومة المعترف بها دوليًا، وجماعة الحوثيين المدعومة من إيران، ومليشيات محلية أخرى. وقد خلق هذا الصراع المستمر حالة من عدم الأمن، وانهيار الخدمات الأساسية، واعتماد ملايين السكان على المساعدات الإنسانية. يدخل المهاجرون القادمون من القرن الأفريقي إلى بلد حيث تعمل الجماعات المسلحة وعصابات التهريب وشبكات الاتجار بالبشر بحرية، معرضين أنفسهم لمخاطر جسدية ونفسية كبيرة. يتعرض الكثير منهم للاحتجاز التعسفي، والإيذاء، وإجبارهم على ركوب قوارب مكتظة، ما يؤدي إلى إصابات، كدمات، صدمات نفسية، وجفاف شديد، بينما يحاولون الهروب من الفقر والنزاع والاضطهاد.
ولا تقتصر المخاطر على البحر فحسب، بل تمتد إلى الانتهاكات المرتبطة بالنزاع المسلح داخل اليمن. فالعديد من المهاجرين يلقون حتفهم نتيجة القصف الجوي والبري في مناطق مختلفة من البلاد، خصوصًا على الحدود اليمنية-السعودية، حيث ارتكب حرس الحدود السعودي انتهاكات بحق المهاجرين الأفارقة، إلى جانب الألغام التي تزرعها جماعة الحوثي المدعومة من إيران، وحملات التهجير القسري التي تنفذها أطراف النزاع في مناطق متعددة. كما مات المئات خلال رحلاتهم البحرية قبالة السواحل اليمنية، بينما فقد آخرون حياتهم بسبب الجوع، العطش، أو ضياع الطريق خلال عبورهم البري نحو الأراضي السعودية شمال اليمن.
الاحتياجات الإنسانية لهؤلاء المهاجرين هائلة. معظمهم من الشباب الذكور، لكن نسبة كبيرة تشمل نساء وأطفالًا، الذين يواجهون مخاطر أكبر من الاستغلال الجنسي، والإيذاء، والإهمال. رغم هذه المخاطر، يبقى الاهتمام الدولي وتمويل الهجرة الإقليمية في اليمن محدودًا مقارنة بالموارد الموجهة إلى أوروبا للحد من العبور غير النظامي وأنظمة اللجوء. التركيز غير المتناسب على الهجرة “من الجنوب إلى الشمال” يغفل تدفقات الهجرة “من الجنوب إلى الجنوب”، حيث يواجه المهاجرون غالبًا مخاطر أكبر ويحصلون على حماية أقل.
تُظهر المقارنة بين اليمن وأوروبا هذا التفاوت بوضوح. بينما تتلقى أوروبا تغطية إعلامية واسعة واهتمامًا سياسيًا بالعبور غير النظامي، يستقبل اليمن عشرات الآلاف من المهاجرين مع تركيز دولي محدود، رغم أن المخاطر مماثلة أو أكبر. تكشف الأرقام عن واقع صارخ: المهاجرون الأفارقة الذين يحاولون الوصول إلى اليمن يواجهون مخاطر مماثلة لأولئك الذين يحاولون دخول أوروبا غير النظامية، ومع ذلك نادراً ما تصل قضيتهم إلى العناوين الدولية.
تؤكد هذه الأوضاع الحاجة الملحة إلى حماية أفضل، وتمويل أكبر، وتدخل إنساني عاجل. تحتاج المنظمات المحلية والدولية العاملة في اليمن إلى دعم إضافي لتوفير المأوى، والرعاية الطبية، والمساعدة القانونية، وحماية المهاجرين الأكثر ضعفًا، لا سيما النساء والأطفال. يجب على المانحين والحكومات إدراك أن أزمات الهجرة لا تقتصر على أوروبا، بل تحدث حيث يضطر السكان الضعفاء للمخاطرة بحياتهم بحثًا عن الأمان.
في النهاية، تُعد رحلة الهجرة الأفريقية إلى اليمن تذكيرًا صارخًا بإهمال العالم للهجرة من الجنوب إلى الجنوب. زيادة الوعي بهذه الرحلات ومخاطرها والاستجابة الدولية المحدودة أمر بالغ الأهمية، إذ يمكن للمجتمع الدولي تحريك الانتباه، وزيادة التمويل، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية أكثر المهاجرين ضعفًا في العالم.
المصادر:
- المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، بيانات حركة المهاجرين إلى اليمن، يناير–ديسمبر 2025 (yemen.un.org)
- Frontex، وكالة الحدود والسواحل الأوروبية، بيانات الهجرة غير النظامية لعام 2025 (~178,000 عبور) (frontex.europa.eu)







اترك تعليقاً