
يُعدّ اليمن أحد أخطر بلدان العبور للمهاجرين الأفارقة القادمين من القرن الأفريقي، إلا أن هذه الخطورة تتضاعف بصورة غير مسبوقة في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة (الحوثيين) المدعومة من إيران، حيث تحوّل طريق الهجرة إلى فضاء مفتوح لانتهاكات جسيمة ومنهجية تمس الحق في الحياة والكرامة الإنسانية. فبدل أن يكون عبور المهاجرين مسألة إنسانية تتطلب الحماية، أصبح وجودهم يُستغل كمصدر دخل، وأداة قمع، ووقود لصراعات مسلحة واقتصاد حرب قائم على الابتزاز والاتجار بالبشر.
تشير الوقائع الميدانية والشهادات الموثقة إلى أن المهاجرين الأفارقة، وبمجرد دخولهم مناطق سيطرة الجماعة، يتعرضون لأنماط متكررة من القتل، والاحتجاز التعسفي، والتعذيب الجسدي والنفسي، والعنف الجنسي، والعمل القسري، والترحيل القسري، في ظل غياب تام لأي ضمانات قانونية أو رقابة قضائية مستقلة.
الاحتجاز كأداة للابتزاز والتعذيب
تعتمد جماعة الحوثيين سياسة الاحتجاز الجماعي للمهاجرين الأفارقة بوصفها أداة رئيسية للسيطرة والابتزاز المالي. ويتم ذلك عبر حملات اعتقال واسعة في الطرقات، ونقاط التفتيش، وأماكن تجمع المهاجرين، لا سيما في صنعاء وصعدة وعمران. وغالبًا ما يُحتجز المهاجرون دون أي سند قانوني، ودون توجيه تهم، أو تمكينهم من التواصل مع جهات قانونية أو إنسانية.
داخل مراكز الاحتجاز، يتعرض المهاجرون لمعاملة قاسية ومهينة، تشمل الضرب المبرح بالعصي، وأسلاك الكهرباء، وأعقاب البنادق، إضافة إلى الحرمان من الطعام والماء، والاكتظاظ الشديد، وانتشار الأمراض المعدية. ويُستخدم التعذيب كوسيلة لإجبار المحتجزين على دفع مبالغ مالية مقابل الإفراج عنهم، أو الاتصال بأسرهم في دول المنشأ أو المقصد لتحويل الأموال.
يصف مهاجر إثيوبي احتُجز في صنعاء هذه الممارسات قائلًا:
«كانوا يضربوننا بلا توقف، ثم يأخذون هواتفنا ويجبروننا على الاتصال بأسرنا. من يدفع يُفرج عنه، ومن لا يملك المال يبقى محتجزًا ويتعرض لمزيد من الضرب.»
وتشير الشهادات إلى أن مبالغ الابتزاز ليست موحدة، بل تخضع لمعايير تمييزية، منها القدرة الجسدية، والقدرة على التحدث بالعربية، وحتى المظهر الخارجي، في ممارسة تنطوي على إذلال متعمّد.
جريمة صنعاء: واحدة من أبشع الجرائم ضد المهاجرين
تُمثّل واقعة مركز مصلحة الهجرة والجوازات في مديرية السبعين بصنعاء واحدة من أبشع الجرائم المرتكبة بحق المهاجرين الأفارقة في اليمن الحديث. ففي مارس/آذار 2021، وأثناء احتجاج سلمي نفّذه المحتجزون عبر الإضراب عن الطعام للمطالبة بتحسين ظروف احتجازهم، أقدمت قوات تابعة للحوثيين على قمعهم بعنف مفرط.
وفق شهادات ناجين، أُلقيت مقذوفات داخل عنبر مكتظ بالمحتجزين، بينما كانت الأبواب مغلقة بإحكام، ما أدى إلى اندلاع حريق هائل وانتشار كثيف للدخان. وأسفر الحادث عن مقتل أكثر من أربعين مهاجرًا، وإصابة ما يقارب 170 آخرين بحروق واختناقات وإصابات خطيرة.
وثّقت مواطنة لحقوق الإنسان هذه الجريمة باعتبارها انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، مؤكدة أن الحادث لم يكن عرضيًا، بل نتيجة مباشرة لاستخدام القوة المفرطة داخل مكان احتجاز مغلق، مع منع المحتجزين من الهروب، وإطلاق الرصاص على من حاول النجاة.
أحد الناجين وصف اللحظات الأخيرة قائلًا:
«الدخان ملأ المكان، كنا نصرخ ونطرق الأبواب، لكن لم يفتح أحد. سمعت أصدقائي يموتون واحدًا تلو الآخر، ولم أستطع مساعدتهم.»
صعدة: الاحتجاز الجماعي والعمل القسري والتجنيد
في محافظة صعدة، تُعد الانتهاكات أكثر تنظيمًا واتساعًا. إذ تستخدم جماعة الحوثيين معسكرات أمنية ومبانٍ عسكرية كمراكز احتجاز للمهاجرين الأفارقة، من بينها معسكر الأمن المركزي وقوات النجدة. وتُحتجز في هذه المواقع أعداد كبيرة من المهاجرين، بينهم نساء وأطفال، في ظروف لا إنسانية، دون السماح لأي جهة مستقلة بمراقبة أوضاعهم.
ولا يقتصر الأمر على الاحتجاز، بل يمتد إلى العمل القسري والتجنيد. فقد وثّقت شهادات عديدة إجبار مهاجرين أفارقة على الالتحاق بجبهات القتال أو العمل في حفر الخنادق ونقل الإمدادات العسكرية، تحت التهديد بالقتل أو استمرار الاحتجاز. ويُستغل فقر هؤلاء المهاجرين وحاجتهم الماسة للمال كوسيلة لإجبارهم على المشاركة في النزاع المسلح.
النساء المهاجرات: عنف مضاعف
تتعرض النساء المهاجرات لانتهاكات مضاعفة، تجمع بين العنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف المرتبط بوضع الهجرة. وتشمل هذه الانتهاكات التحرش الجنسي، والاغتصاب، والاحتجاز في مرافق مختلطة، وغياب الخصوصية والرعاية الصحية.
تكشف إحدى الحالات الموثقة عن تجنيد فتاة إثيوبية قاصر، تم تدريبها على استخدام السلاح والعمل كحارسة في مركز احتجاز للمهاجرين، في انتهاك صارخ لاتفاقية حقوق الطفل، والقانون الدولي الإنساني. كما أفادت ناجيات بتعرضهن للتحرش من عناصر أمنية ومهاجرين آخرين داخل أماكن الاحتجاز المكتظة.
تقول إحدى النساء:
«لم يكن هناك مكان آمن. الزنازين مكتظة، لا يوجد فصل بين الرجال والنساء، والتحرش كان يوميًا.»
عصابات التهريب: شراكة الجريمة
تشير الوقائع إلى وجود علاقة تواطؤ واضحة بين جماعة الحوثيين وعصابات التهريب والاتجار بالبشر. إذ تعمل هذه العصابات بحرية في مناطق سيطرة الجماعة، مقابل دفع رسوم مالية في نقاط التفتيش، تصل إلى مئات الريالات السعودية عن كل مهاجر.
يمارس المهربون انتهاكات جسيمة تشمل الاحتجاز في غرف مظلمة، والتجويع، والتعذيب، والقتل، والنقل في مركبات مكتظة وبسرعات خطرة عبر طرق صحراوية، ما يؤدي إلى سقوط ضحايا بسبب الحوادث أو القصف. وغالبًا ما يُسلَّم المهاجرون الذين يعجزون عن الدفع إلى سلطات الحوثيين، ليُعاد احتجازهم وابتزازهم من جديد.
الترحيل القسري: عنف منظم
ضمن سياسة الترحيل القسري، تقوم جماعة الحوثيين بنقل المهاجرين الأفارقة في شاحنات مكتظة من صعدة إلى صنعاء، ثم إلى محافظات جنوبية مثل لحج، لمسافات طويلة تصل إلى مئات الكيلومترات، دون توفير مياه أو غذاء أو رعاية طبية. ويصل كثير من المرحّلين في حالات صحية حرجة، وبعضهم مصاب بأعيرة نارية أو أمراض معدية.
إن الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون الأفارقة في مناطق سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) لا يمكن اعتبارها حوادث فردية أو تجاوزات معزولة، بل تمثل نمطًا ممنهجًا من الانتهاكات الجسيمة، يرتبط باقتصاد الحرب، ويقوم على الاحتجاز، والابتزاز، والعمل القسري، والتواطؤ مع شبكات الاتجار بالبشر.
وتؤكد هذه الوقائع الحاجة الملحّة إلى تحقيق دولي مستقل وشفاف، وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، وتأمين حماية عاجلة للمهاجرين الأفارقة في اليمن، بوصفهم من أكثر الفئات هشاشة على طريق الهجرة، ووقف استخدامهم كأداة قمع أو مصدر تمويل في سياق نزاع مسلح طال أمده.






اترك تعليقاً